فتاوى تشغل الأذهان
حكم سنة الجمعة القبلية.. الإفتاء تكشف مشروعية النافلة قبل وبعد الفريضة
الأذان الأول والثاني لصلاة الجمعة.. هل كلاهما سنة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل
ما حكم صلاة الجمعة قبل الزوال في بلاد الغرب؟.. دار الإفتاء تجيب
سنن يوم الجمعة كاملة كما فعلها النبي.. واظب عليها واغتنم خيرها
اتفق علماء الأمة سلفًا وخلفًا على أن سنة الجمعة القبلية مشروعةٌ مستحبةٌ، وقد ورد فعلها والسلف الصال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجماعةٍ من الصحابة الكرامح رضي الله عنهم، ولا وجه للقول بكراهتها فضلًا عن بدعيتها أو تحريمها، بل القول ببدعيتها هو البدعة المنكرة.
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على سؤال: ما حكم سنة الجمعة القبلية؟ أنه قد اتفق العلماء على مشروعية التنفل بعد صلاة الجمعة؛ على اختلاف بينهم في الأفضل؛ هل هو ركعتان أو أربع.
أما النفل قبل الجمعة؛ فهو إما أن يكون نفلًا مطلقًا، أو سنةً راتبة، فأما النفل المطلق: فلا خلاف في جوازه بين الفقهاء؛ فهو جائزٌ بل مستحبٌّ، ومن الأدلة عليه:
حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» رواه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» رواه مسلم.
أما السنة القبلية الراتبة للجمعة فقد اختلفوا فيها على قولين:
القول الأول: أن للجمعة سنةً قبليةً راتبةً، وهو قول الحنفية، وقول الشافعية في أظهر الوجهين، وقول الحنابلة في إحدى الروايتين، بل هو قول أكثر العلماء كما يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي.
القول الثاني: أنه ليس للجمعة راتبة قبلية، مع مشروعية التنفل المطلق بالصلاة قبل الجمعة، وهو قول المالكية، وأحد قولي الحنابلة.
ورد العلماء على من يدعي بدعية الصلاة قبل الجمعة؛ فصنف الحافظ ابن رجب الحنبلي في هذه المسألة كتابين مستقلين أثبت فيهما مشروعية الصلاة قبل الجمعة، هما: “نفي البدعة عن الصلاة قبل الجمعة”، و”إزالة الشنعة عن الصلاة قبل الجمعة”، وبعده الحافظ ابن الملقن وقد سبق النقل عنه.
ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: ما حكم قراءة القرآن الكريم جهرًا في المسجد يوم الجمعة؟ وما حكم إقامة أذانين لصلاة الجمعة؟
وقالت دار الإفتاء في إجابتها عن السؤال، إن قراءة القرآن الكريم يوم الجمعة بالمسجد جهرًا أمرٌ جائز شرعًا ولا حرج فيه.
وأما عن الأذانين لصلاة الجمعة؛ فإنَّ مَن جعل للجمعة أذانًا واحدًا متمسكًا بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد عمل بالسنة، ومَن جعل للجمعة أذانين عملًا بما فعله سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد عمل أيضًا بالسنة؛ لأنه من سنّة الخلفاء الراشدين التي أوصانا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرنا بالتمسك بها والحرص عليها.
وعن قراءة القرآن الكريم يوم الجمعة بالمسجد، فقد ورد في “صحيح مسلم” عن أبي هريرة رضي الله عنه قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».
أمّا عن الأذانين: إنَّ الثابت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان أذانًا واحدًا يؤذنه بلال رضي الله عنه على باب مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد جلوسه على المنبر، وبين يديه؛ لقول السائب بن يزيد: “إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَثُرُوا أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ -أي أذانين وإقامة-، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ” أخرجه البخاري والبيهقي والأربعة.
وذكرت أن من هذا يتبين أنَّ الغرض من الأذان الذي كان في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ الإعلام بدخول الوقت لصلاة الجمعة، ولذا كان على باب المسجد ليكمل هذا الغرض، وللإعلام كذلك بقرب شروع الخطيب في الخطبة؛ لينصت الناس ويتركوا الكلام، وهذا سرّ كونه بعد جلوس الخطيب على المنبر وبين يديه، وهذا الغرض هو ما يقصد به الإقامة فإنّها للإعلام بالدخول فيها، ثم لما كثر النّاس بالمدينة وشغلتهم الأصوات رأى عثمان رضي الله عنه أنّ الغرض الأول من الأذان، وهو الإعلام بدخول الوقت لصلاة الجمعة لم يقع على الوجه الأكمل، فأحدث الأذان المستحدث وأمر بفعله بسوق المدينة يسمى “الزوراء”، وأقره على ذلك الصحابة فكان إجماعًا سكوتيًّا.
هذا ما حدث في الأذان مما لم يكن في عهده صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكان سنّة الخلفاء الراشدين التي أوصانا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرنا بالتمسك بها والحرص عليها، حيث قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» رواه الإمام ابن عبد البر في “جامع بيان العلم وفضله”، وأبقى عثمان أذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما كان عليه، ولكن صار الغرض منه خصوصا الإعلام بقرب شروع الخطيب في الخطبة لينصت الناس.
وعلى هذا: فإنَّ مَن جعل للجمعة أذانًا واحدًا عقب صعود الخطيب المنبر متمسكًا بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد عمل بالسنة، ومَن جعل للجمعة أذانين أحدهما: قبل صعود الخطيب المنبر، والثاني: عقب صعوده عملًا بما فعله خليفة رسول الله عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد عمل أيضًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ للأحاديث الواردة في هذا الشأن، وكلاهما أصاب السنة.
ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: ما حكم صلاة الجمعة قبل الزوال في بلاد الغرب؟ فبعضُ رجال الأقليات المسلمة مِن أهل إحدى النواحي الأوروبيَّة -التي يجري فيها العمل الرَّسمي الإلزامي يوم الجمعة- لا يُسمح لهم في أعمالهم بالانصراف يوم الجمعة إلا في وقت الغداء أو وقت الرَّاحة المعتاد، والذي يسبق وقت الصلاة بساعةٍ أو أكثر، فهل يجوز لهم أداء صلاة الجمعة في هذا الوقت عوضًا عن تركها وصلاتها ظهرًا؟
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على السؤال، إن الرِّجال المسلمون المذكورون مِن أهل إحدى البلاد الأوروبيَّة ممن لا يُسمح لهم بالانصراف عن أعمالهم يوم الجمعة إلا في أوقات الرَّاحة المعتمدة المتقدمة على وقت الزوال بنحو ساعةٍ -يجوز لهم التَّرخُّص بأداء صلاة الجمعة في ذلك الوقت قُبيل الزوال بلا إثم عليهم في ذلك شرعًا ولا حرج، حتى ولو قلَّ عددهم إلى ثلاثة رجال، باعتبار أنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة بمن فيهم الإمام.
وذكرت دار الإفتاء أنَّ أداء شعيرة الجمعة خيرٌ مِن تركها وتعطيلها، وأنَّه يجوز للمبتلى أن يقلِّد مَن أجاز، فإذا زال سبب التَّرخُّص عادوا إلى العزيمة مِن أداء صلاةِ الجمعة في وقتها المعتاد مِن بعد الزَّوال.
وأوضحت دار الإفتاء أن صلاة الجمعة واجبة على كلِّ مسلمٍ حرٍّ بالغٍ عاقلٍ مقيم صحيحٍ ليس به علَّة؛ فعن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رَوَاحُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحتَلِمٍ» أخرجه الإمام النَّسائي.
وتابعت: الشأن في صلاة الجمعة أنها تؤدى من زوال الشمس عن كبد السماء -وهو وقت صلاة الظهر-، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ونقل الإجماع على ذلك غير واحدٍ مِن العلماء كابن المنذر، وابن عبد البرِّ، وابن قُدَامة وغيرهم.
كما ورد عن سنن يوم الجمعة، الذهاب إلى المسجد مشيًا، لقول سيدنا رسول الله: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَسَّلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا». [أخرجه الترمذي].
وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ».
ويستحب التبكير إلى صلاة الجمعة: «إِذَا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وقَفَتِ المَلَائِكَةُ علَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فَالأوَّلَ، ومَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الذي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، ويَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». [متفق عليه].
كما يستحب صلاة المسلم ركعتين تحية المسجد، حتّى وإن بدأت الخطبة: فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يَخْطُبُ يوما في أصحابه فدَخَلَ رَجُلٌ فجلس فرآه النبي فقطع الخطبة فسأله أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لا. قَالَ: قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
ومن سنن يوم الجمعة تحري ساعة الإجابة، حيث فيه ساعة إجابة كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «خيرُ يومٍ طلعت عليه الشَّمسُ يومُ الجمعةِ، فيه خُلِق آدمُ، وفيه أُدخل الجنَّةَ، وفيه أُخرج منها، ولا تقومُ السَّاعةُ إلَّا في يومِ الجمعة».
وكذلك من سنن يوم الجمعة الإكثار من الصلاة على النبي، لما ورد أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ الصَّلاَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا، أوَ شَافِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
ومن سنن يوم الجمعة، أن النبي الكريم سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- حثنا على الاغتسال والتطيب والتسوك بيوم الجمعة خاصة.
وتعد قراءة سورة الكهف من أبرز الأعمال المستحبة يوم الجمعة، لما ورد في فضلها من أحاديث تبين ما فيها من نور وبركة للمسلم. كما حث النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة الآيات العشر الأواخر منها، مبينًا أنها سبب للعصمة من فتنة المسيح الدجال.


