هل يمكن أن يؤثر ما نأكله يوميًا في قدرتنا على تمييز الروائح؟ تشير دراسة علمية حديثة إلى وجود علاقة بين جودة النظام الغذائي وكفاءة حاسة الشم، إذ ارتبط تناول الأطعمة النباتية الصحية، خاصة الخضراوات والفاكهة، بأداء أفضل في اختبارات التعرف على الروائح، بينما ارتبطت الأنماط الغذائية النباتية الأقل صحة بوظيفة شمية أضعف.

ووفقًا لتقرير نشره موقع News Medical، ونُشرت الدراسة في دورية Chemical Senses في 5 أكتوبر 2026، حلل الباحثون بيانات 6690 شخصًا بالغًا من دراسة تعاونية لصحة السكان في جنوب تيرول بإيطاليا، بهدف استكشاف العلاقة بين العادات الغذائية والقدرة على التعرف على الروائح.

كيف اختبر الباحثون حاسة الشم؟

استخدم الباحثون اختبارًا يُعرف باسم Sniffin’ Sticks، يعتمد على أقلام تحتوي على روائح مختلفة، ويُطلب من المشاركين التعرف عليها. وتضمن الاختبار 16 رائحة، وصُنّف الأشخاص الذين تمكنوا من تحديد 12 رائحة أو أقل على أنهم يعانون ضعفًا في حاسة الشم.

وفي المقابل، قيّم الباحثون الأنماط الغذائية للمشاركين باستخدام استبيانات عن الأطعمة التي تناولوها خلال العام السابق، ثم حسبوا درجات لمؤشرات غذائية متعددة، منها النظام الغذائي المتوسطي، ومؤشر جودة الغذاء الصحي، ومؤشرات الأنظمة الغذائية النباتية الصحية وغير الصحية.

وأخذ التحليل في الاعتبار عوامل أخرى قد تؤثر في حاسة الشم، مثل العمر والجنس ومؤشر كتلة الجسم والتدخين والتعليم وارتفاع ضغط الدم.

الخضراوات والفاكهة ترتبطان بأداء أفضل لحاسة الشم

أظهرت النتائج أن الالتزام بأنماط غذائية صحية، ومنها النظام المتوسطي والأنظمة الغنية بالأطعمة النباتية الصحية، ارتبط بارتفاع احتمالات الحصول على نتائج أفضل في اختبارات التعرف على الروائح.

كما ارتبط تناول كميات أكبر من الخضراوات والفاكهة بانخفاض احتمالات الإصابة بضعف حاسة الشم، بينما ارتبط اتباع نظام نباتي غير صحي، قد يعتمد على أطعمة نباتية أقل جودة، بنتائج أسوأ.

ووجد الباحثون أن الارتباطات كانت محدودة نسبيًا من حيث الحجم، وهو ما يعني أن جودة الغذاء تمثل عاملًا محتمل الصلة بحاسة الشم، لكنها ليست العامل الوحيد الذي يحدد كفاءتها.

وتشير النتائج إلى أهمية التمييز بين مجرد تناول الأطعمة النباتية وبين اختيار مصادر صحية منها؛ فالنظام النباتي الذي يعتمد على الحبوب الكاملة والخضراوات والفاكهة يختلف غذائيًا عن نظام يعتمد بدرجة أكبر على المنتجات النباتية المكررة أو الأقل قيمة غذائية.

لماذا قد تؤثر التغذية في حاسة الشم؟

لم تحدد الدراسة آلية بيولوجية مباشرة تفسر العلاقة، لكنها تضيف دليلًا إلى الأبحاث التي تبحث في الصلة بين جودة الغذاء وصحة الجهاز العصبي والوظائف الحسية.

وتعتمد حاسة الشم على خلايا عصبية متخصصة تلتقط جزيئات الروائح داخل الأنف، ثم ترسل إشارات إلى الدماغ للتعرف عليها. ويمكن أن تتأثر هذه الوظيفة بعوامل متعددة، من بينها التقدم في العمر، والتهابات الجهاز التنفسي، وأمراض الأنف والجيوب الأنفية، وإصابات الرأس، وبعض الاضطرابات العصبية.

ومن ناحية أخرى، قد يؤثر ضعف حاسة الشم نفسه في اختيار الطعام والشهية والتغذية؛ إذ يمكن أن تقل قدرة الشخص على الاستمتاع بنكهات الطعام أو تمييز بعض الروائح. ولذلك، لا يمكن استبعاد أن تكون العلاقة بين الغذاء والشم متبادلة الاتجاه.

هل يكفي تغيير النظام الغذائي لتحسين حاسة الشم؟

لا تثبت الدراسة أن تناول الخضراوات والفاكهة وحده يعالج ضعف حاسة الشم؛ فقد اعتمدت على بيانات مقطعية، أي أنها درست العلاقة بين الغذاء والشم في فترة محددة، ولم تتابع المشاركين لإثبات أن تغيير النظام الغذائي يؤدي إلى تحسن لاحق.

كما اعتمد تقييم الغذاء على ما أبلغ عنه المشاركون بأنفسهم، وقاس الاختبار القدرة على التعرف على الروائح تحديدًا، وليس جميع جوانب حاسة الشم.

ويرى الباحثون أن هناك حاجة إلى دراسات مستقبلية تتابع الأشخاص بمرور الوقت لتحديد اتجاه العلاقة، ومعرفة ما إذا كان تحسين جودة الغذاء يساعد فعلًا في الحفاظ على حاسة الشم.

وبصفة عامة، يظل تناول الخضراوات والفاكهة والحبوب الكاملة ضمن نظام غذائي متوازن خيارًا صحيًا، لكن ظهور ضعف جديد أو مستمر في حاسة الشم يستدعي تقييم السبب طبيًا بدلًا من الاعتماد على تغيير الغذاء وحده.