كشف بحث أثري حديث عن إصابة يرجح أنها ناجمة عن رمح خشبي لدى أحد أفراد إنسان نياندرتال، الذي عاش قبل نحو 75 ألف عام في كهف شانيدار بإقليم كردستان العراق، في اكتشاف قد يمثل أقدم دليل معروف على إصابة قاتلة من هذا النوع لدى أحد أسلاف الإنسان.

ووفقاً لما ذكره موقع ancient orgnin، عثر الباحثون على ثقب شبه دائري في لوح الكتف الأيسر للفرد، يبلغ قطره نحو 1.5 سنتيمتر، مع ثلاثة شقوق عظمية ممتدة من موضع الإصابة، وتشير خصائص الثقب إلى احتمال اختراق أداة حادة للجسم، يرجح أن تكون رمحاً خشبياً، لكن الباحثين لم يحسموا ما إذا كانت الإصابة ناجمة عن حادث أثناء الصيد أم عنف متعمد.

ثقب في لوح الكتف يكشف إصابة مميتة

عثر على بقايا إنسان نياندرتال الذي يقدر عمره بنحو 45 عاماً داخل كهف شانيدار الشهير بالاكتشافات التي أسهمت في إعادة تقييم سلوك إنسان نياندرتال وقدراته الاجتماعية.

ويرى الباحثون أن مسار الأداة المحتملة قد يكون امتد عبر الصدر وصولاً إلى الرئة وربما الأوعية الدموية الرئيسية، ما يرجح أن الإصابة أدت إلى الوفاة سريعاً، كما أظهرت الفحوص أن الثقب لم يلتئم، وهو ما يشير إلى وقوع الإصابة قرب وقت الوفاة أو بعدها، وليس قبلها بمدة تسمح بالتعافي.

وتكتسب النتيجة أهمية خاصة لأن الأدوات الخشبية نادراً ما تبقى محفوظة في المواقع الأثرية لآلاف السنين، ما يجعل تحديد آثار استخدامها على العظام مصدراً مهماً لفهم تقنيات الصيد لدى المجتمعات البشرية القديمة.

هل كانت الإصابة نتيجة الصيد أم العنف؟

رغم أن شكل الثقب والكسور المحيطة به يتفقان مع إصابة ناجمة عن رمح خشبي، فإن الأدلة لا تكفي لتحديد الظروف التي وقعت فيها الحادثة.

وأشار الباحثون إلى احتمال أن تكون الإصابة قد حدثت خلال الصيد، كما لم يستبعدوا تعرض الفرد لهجوم متعمد ولذلك لا تصف الدراسة الواقعة بأنها جريمة قتل مؤكدة، بل تقدم دليلاً نادراً على إصابة نافذة يرجح أنها كانت قاتلة.

وتشير الأدلة الأثرية إلى أن استخدام الرماح الخشبية يعود إلى فترات أقدم بكثير، إذ عثر على أدوات خشبية في موقع كلاكتون أون سي بإنجلترا يعود تاريخها إلى أكثر من 400 ألف عام، وأخرى في شونينغن بألمانيا يرجع تاريخها إلى نحو 200 ألف عام.

إصابة قديمة تشير إلى حصول الفرد على الرعاية

لم تكن إصابة الكتف العلامة الوحيدة على معاناة هذا الفرد، إذ كشفت الأسنان عن آثار إصابة سابقة شديدة في الوجه، تسببت في انقسام أحد القواطع السفلية وتحرك الأسنان المجاورة من مواضعها.

ويشير تراكم اللويحة السنية المتصلبة إلى أن الفرد عاش فترة بعد الإصابة، ربما عامًا أو أكثر، ما يفتح احتمال حصوله على مساعدة من أفراد مجموعته، خاصة أن الضرر الذي أصاب أسنانه ربما أثر في قدرته على تناول الطعام والتواصل.

وتضيف هذه النتائج إلى النقاش العلمي حول سلوك الرعاية لدى إنسان نياندرتال، الذي تشير اكتشافات سابقة إلى أن بعض أفراده عاشوا رغم إصابات أو إعاقات كان من الممكن أن تجعل البقاء دون مساعدة أكثر صعوبة.

كهف شانيدار.. أدلة جديدة على طقوس التعامل مع الموتى

أظهرت الدراسة أن بقايا الفرد الجديد ترفع الحد الأدنى لعدد الأفراد الذين عُثر عليهم ضمن مجموعة الرفات في الكهف إلى خمسة، ويرجح الباحثون أن الجثامين وُضعت في منخفض صغير داخل الكهف على فترات امتدت لسنوات أو عقود.

وتعرضت بعض العظام لاحقاً لاضطراب بفعل فيضان مفاجئ، لكن تقارب البقايا ومواقعها يعززان أهمية الموقع في دراسة كيفية تعامل إنسان نياندرتال مع موتاه، وهي مسألة لا تزال موضع نقاش بين الباحثين.

وبينما يقدم لوح الكتف المصاب دليلاً نادراً على إصابة نافذة يرجح أنها أدت إلى الوفاة، تبقى ملابساتها غير محسومة، كما تظل طبيعة الممارسات الجنائزية في كهف شانيدار مجالًا مفتوحاً لمزيد من البحث.