سلطت المناقشة العامة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة الدول الأعضاء الـ193، الضوء على واحد من أبرز الموضوعات التي وردت في الكلمات التي أُلقيت خلال هذه المناقشة، وهو إصلاح الأمم المتحدة، وبات السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل لا يزال بإمكان الأمم المتحدة أن تحافظ على أهميتها إذا استمرت كما كانت المنظمة عند تأسيسها عام 1945؟
وبحسب مركز إعلام الأمم المتحدة، فقد كشف النقاش بشأن إصلاح الأمم المتحدة في الجمعية العامة الشهر الماضي عن قاسم مشترك تكرر على ألسنة مجموعة متنوعة من الدول الأعضاء، إذ ترى حكومات كثيرة أن الأمم المتحدة لن تتمكن من الحفاظ على مصداقيتها وفعاليتها إلا إذا عكست مؤسساتها بصورة أفضل واقع القرن الحادي والعشرين.. ومن قضايا تمثيل مجلس الأمن إلى الفعالية المؤسسية، ظل المندوبون يعودون مرارًا إلى العلاقة بين القوة والإنصاف والشرعية. وكما قال الأمين العام أنطونيو جوتيريش: «الأمم المتحدة موجودة لأن القوة بحاجة إلى قواعد (تحكمها)، ولأن البشرية تحتاج إلى مكان تخضع فيه القوة للمبادئ».
وقد تعددت مطالب الإصلاح، واحتل إصلاح مجلس الأمن مركز الصدارة في المناقشات المتعلقة بإصلاح الأمم المتحدة.. وقال متحدث تلو الآخر إن التمثيل والشرعية أمران لا يمكن الفصل بينهما، فيما كان استمرار غياب أفريقيا عن العضوية الدائمة موضوعًا متكررًا.
وقالت كينيا: «المساواة التي تُعلن في هذه الجمعية العامة تنتهي عند أبواب مجلس الأمن».
وطرحت غيانا حجة مماثلة بشأن تمثيل العالم الأوسع، قائلة: «نحن بحاجة إلى مجلس أمن يعكس الحقائق الجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين، لا هياكل القوة التي كانت سائدة عام 1945؛ مجلس يحتضن التعددية القطبية الناشئة في عالمنا، بما في ذلك تمثيل دائم لأفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي».
واتفق الأمين العام للأمم المتحدة جوتيريش مع هذا الطرح، حيث قال: «إن وجود مجلس أمن في القرن الحادي والعشرين دون مقاعد دائمة لأفريقيا أمر جائر ولا يمكن الدفاع عنه». وردد رئيس الجمعية العامة خليل الرحمن هذا الموقف، قائلًا: «لا يمكن أن يُطلب من أفريقيا أن تنتظر إلى أجل غير مسمى كي تحصل على مكانها المستحق في المجلس».
وبات هناك إجماع على الإصلاح، ولكن الخلاف كان حول كيفية تحقيقه. وفي حين كان التأييد للإصلاح واسعًا، طرحت الحكومات حلولًا مختلفة. وذهبت إسبانيا إلى أبعد من غيرها، داعية إلى تمثيل إقليمي أكثر عدلًا وإلغاء حق النقض (الفيتو) بصورة كاملة، إذ قالت في كلمتها في المناقشة العامة: «نحن بحاجة إلى إصلاح مجلس الأمن بحيث تتمتع جميع مناطق العالم بتمثيل عادل، وبحيث نتمكن من إلغاء حق النقض الذي تتمتع به الأعضاء الدائمة».
أما روسيا، وهي إحدى الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس، فاتخذت نهجًا أكثر حذرًا، مؤيدة «توسيع تمثيل آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية»، لكنها أضافت أن الإصلاحات ينبغي ألا «تقوّض الطابع الحكومي الدولي لمنظومة الأمم المتحدة أو تنتقص من صلاحيات مجلس الأمن وامتيازات أعضائه الدائمين».
وقد برزت قضية أخرى في النقاشات، وهي الثقة، ومدى سهولة تآكلها عندما تُطبَّق القواعد بصورة انتقائية. وقالت المجر إن التعاون والمصلحة الوطنية ليسا بالضرورة على طرفي نقيض: «نحن نؤمن بأن المصلحة الوطنية والتعاون الدولي لا يتعين أن يقفا في مواجهة أحدهما الآخر»، مضيفة أن «الأمم المتحدة لا يمكنها أن تطالب بالثقة؛ بل عليها أن تكسبها».
وربطت عدة وفود بين ثقة الشعوب في المؤسسات الدولية وبين التطبيق المتسق للقواعد والمبادئ. وأُثيرت مخاوف بشأن المعاملة غير المتكافئة، والتنفيذ الانتقائي للقانون الدولي، والإخفاق في الاستجابة الفعالة للأزمات.
ففي الوقت الذي طرحت فيه الأمم المتحدة مبادرة «الأمم المتحدة 80»، التي تهدف إلى جعل المنظمة أكثر اتساقًا وفعالية واستجابة لتحديات اليوم، قدمت الدول أيضًا رؤى متباينة بشأن الإصلاح التشغيلي. وشددت سويسرا وكوستاريكا على وضوح الأولويات والكفاءة وتحقيق نتائج قابلة للقياس.
وسلط رئيس الجمعية العامة الضوء على تداخل الاختصاصات، والبيروقراطية، والحاجة إلى تنسيق أفضل على المستوى القُطري. غير أن عدة متحدثين حذروا من التعامل مع الإصلاح باعتباره مجرد عملية لخفض التكاليف. وقالت الصين إن الإصلاح ينبغي أن يؤدي إلى تحسين الأداء المؤسسي، لا أن يقتصر على خفض الميزانيات والولايات الموكلة إلى المؤسسات. ورأت جيانا أن الموارد ينبغي أن تتناسب مع المسؤوليات المسندة إلى المنظمة.
ولم تكن أوجه الاختلاف متعلقة بالإنفاق فحسب، بل انصبت أيضًا على ما ينبغي للأمم المتحدة أن تفعله، ومقدار السلطة التي ينبغي أن تتمتع بها، وما إذا كان تحسين الأداء يتطلب قدرة تشغيلية أقوى أم دورًا مؤسسيًا أضيق.
وكشفت الجلسات النقاشية أن أحد الأسئلة المتكررة طوال النقاش كان: ليس ما إذا كان ينبغي للأمم المتحدة أن تكون موجودة، بل ما إذا كانت قادرة على تحقيق نتائج ملموسة.
وقد صاغ رئيس الجمعية العامة خليل الرحمن الأمر بوضوح، قائلًا: «خارج هذه الجدران، لا يسأل الناس عما إذا كانت الأمم المتحدة لا تزال موجودة. إنهم يسألون عما إذا كانت تؤدي عملها». وأكد أن الأهم هو الناس وليس الإجراءات، قائلًا: «يجب استثمار كل قرش لتحقيق أثر ملموس على أرض الواقع لصالح الناس الذين نخدمهم».
وقدمت الولايات المتحدة نموذجًا مغايرًا قائمًا على تقليص حجم المؤسسات، قائلة: «لقد خفضنا ميزانية الأمم المتحدة للمرة الأولى على الإطلاق، إذ قلصناها بنسبة 15 في المائة في عام 2026 وألغينا أكثر من 4,000 وظيفة من الجهاز البيروقراطي للأمم المتحدة»، مع رفضها المشاركة الدولية في المجالات التي تعتبرها من اختصاصات الدول الوطنية.
وعلى الرغم من الخلافات بشأن حق النقض، والسلطة المؤسسية، ونماذج الإصلاح المتنافسة، ظل المندوبون يعودون مرارًا إلى مصدر القلق الأساسي نفسه، وهو أن حجم مشكلات اليوم تجاوز قدرة الهياكل التي أُنشئت لمعالجتها، وأن على الدول الأعضاء العمل من أجل بناء منظمة أكثر قدرة على الصمود وفعالية. ولهذا السبب، كما أشارت جيانا، «يجب ألا نتخلى عن تعددية الأطراف لمجرد أنها غير مثالية؛ بل يجب أن نجددها، لأن البشرية لا تزال بحاجة إليها».
م د ن ي/ن و ر.
/أ ش أ/.


