اقترحت أيرلندا خفض ميزانية الاتحاد الأوروبي القادمة بنسبة 8%، مع التركيز على اقتطاع الحصة الأكبر من مجالي التعاون العالمي والتنافسية، بينما تشهد تمويلات الزراعة والتماسك تقلصا طفيفا بنسبة 3% فقط.
ويشمل المقترح حزمة موارد ذاتية بقيمة 55 مليار يورو سنويا، ومن المقرر أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي هذه الخطة يومي 15 و16 أكتوبر الجاري .. حسبما ذكرت شبكة “يورونيوز” الأوروبية.
وذكرت الشبكة أن أيرلندا التي تتولى حاليا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي اقترحت تقليص ميزانية التكتل طويلة الأجل القادمة بمقدار 141 مليار يورو، في محاولة لكسب ود الدول “التقشفية” بقيادة ألمانيا.
ومن المرجح أن تشكل ما تُعرف بـ”صيغة التفاوض” ركيزة محورية لضبط إيقاع المحادثات الحساسة بشأن الميزانية عندما يجتمع قادة الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل، حيث تتركز معظم عمليات الخصم في برامج التنافسية الاقتصادية والتعاون العالمي.
وقال وزير الدولة الأيرلندي للشئون الأوروبية، توماس بيرن، الذي يتولى قيادة هذا الملف: “تعمل صيغة التفاوض على تقليل الهوة وتقريب وجهات النظر الكثيرة بين الدول الأعضاء، وتقودنا خطوة إضافية نحو حل ما يُسمى بالمعضلة الثلاثية للميزانية”.
وأوضح بيرن أن الاقتراح يحقق توازنا دقيقا بين تمويل الأولويات الجديدة مثل التنافسية والدفاع، وحماية السياسات الأساسية كالزراعة والتماسك، فضلا عن مراعاة الواقع المالي الذي تواجهه كل دولة عضو.
وتخوض حكومات الاتحاد الأوروبي المرحلة الحاسمة والأخيرة لوضع اللمسات الأخيرة على الإطار المالي متعدد السنوات للفترة من (2028-2034).
وأضاف بيرن: “أنا على ثقة بأن هذا التعديل في الحجم الإجمالي وإعادة توازن الأولويات يهدفان إلى تلبية تفضيلات الدول الأعضاء، وسيمهدان الطريق للمرحلة المقبلة من المفاوضات”.
وتدخل حكومات الاتحاد الأوروبي المرحلة الحاسمة من المفاوضات الرامية إلى إقرار الإطار المالي متعدد السنوات للفترة من 2028 إلى 2034.
وتقترح دبلن خفض الحجم الإجمالي للميزانية إلى 1.622 تريليون يورو، وفق أسعار عام 2025، بانخفاض نسبته 8 % مقارنة بمقترح المفوضية الأوروبية، مع بقائه أعلى بنسبة 30% من الإطار المالي الحالي. وبالأسعار الجارية، يعادل ذلك نحو 1.825 تريليون يورو.
ويتحمل بند تمويل التماسك والزراعة ومصايد الأسماك، الذي يمثل بفارق كبير أكبر أبواب الإنفاق، أقل نسبة من التخفيضات، بواقع 3 % ليصل إلى 914 مليار يورو. في المقابل، يُخفض تمويل برنامج التنافسية الاقتصادية والبحوث والدفاع بنسبة 13%، ليبلغ 456 مليار يورو.
وتتعرض نفقات إدارة الاتحاد الأوروبي أيضا لخفض كبير بنسبة 8.8%، لتصل إلى 95 مليار يورو، استجابة لمطالب الدول الأعضاء التي تواجه عواصمها ضغوطا وقيودا على الإنفاق في أجهزتها الحكومية.
ويقترح خفض مخصصات برنامج «أوروبا العالمية»، الذي يمول مشروعات التعاون في الدول خارج الاتحاد، بنسبة 17% لتصل إلى 157 مليار يورو. ومن غير المرجح أن يؤثر ذلك على شبكة الاتحاد الأوروبي التي تضم 145 بعثة حول العالم، وتتيح للعديد من الدول الأعضاء الصغيرة حضورا دوليا واسعا.
وقال بيرن إنه واثق بأن التعديل المقترح على الحجم الإجمالي للميزانية وإعادة ترتيب الأولويات يراعيان تفضيلات الدول الأعضاء، وسيمهدان الطريق للمرحلة التالية من المفاوضات».
ويتضمن النص التوافقي الذي طرحته الرئاسة الأيرلندية أيضا حزمة جديدة من الموارد الذاتية، وهي رسوم تُفرض على مستوى الاتحاد الأوروبي وتُحول حصيلتها مباشرة إلى خزائن مؤسساته، ومن المتوقع أن تدر 55 مليار يورو سنويا.
ويتمثل أبرز تغيير مقارنة بالمقترح الأولي للمفوضية الأوروبية في رغبة دبلن في رفع معدل التحصيل الخاص بآلية تعديل حدود الكربون، وهي رسوم تُفرض على الواردات كثيفة الانبعاثات الكربونية، من 75% إلى 90%.
ويتيح النص تطبيق مورد ذاتي مستمد من نظام تداول الانبعاثات تدريجيا على الدول الأعضاء المستفيدة من صندوق التحديث، وذلك في أعقاب معارضة قوية بشأن الإيرادات التي سيتعين على العواصم الأوروبية التخلي عنها.
ويُبقي المقترح على خطط المفوضية المتعلقة بفرض ضريبة انتقائية على التبغ، وإنشاء مورد مالي للشركات الأوروبية، وفرض رسم على النفايات الإلكترونية، إلى جانب خطة تقضي باحتفاظ الاتحاد الأوروبي بنسبة 90% من الرسوم الجمركية.
في المقابل، يستبعد إطار التفاوض ثلاثة موارد ذاتية اقترحها البرلمان الأوروبي، تستهدف فرض ضرائب على الخدمات الرقمية والمقامرة عبر الإنترنت والأصول المشفرة، رغم تقديرات حديثة تشير إلى إمكانية تحقيقها إيرادات تصل إلى 32 مليار يورو سنويا.
وقال بيرن إن الرئاسة الأيرلندية وضعت ثلاثة معايير للموارد الذاتية الجديدة، تتمثل في «حصولها على موافقة بالإجماع، وقدرتها على توفير تمويل كبير، وجاهزيتها بحلول الأول من يناير 2028».
وأضاف أنه لم يكن واضحا لنا، سواء فيما يتعلق بحجم الإيرادات أو إمكانية تنفيذ هذه الموارد بحلول الأول من يناير 2028».
وتسعى الرئاسة الأيرلندية إلى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن الميزانية بحلول نهاية العام الجاري، قبل توجه عدد من الدول الرئيسية إلى صناديق الاقتراع في عام 2027. وفي فرنسا، يتصدر مرشح متشكك في جدوى المشروع الأوروبي التوقعات حاليا للفوز بمنصب رئيس الجمهورية المقبل.
وتزيد الانتخابات من تعقيد المشهد التفاوضي؛ إذ دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى إجراء انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر المقبل، في خضم المفاوضات بشأن الميزانية. كما يُتوقع أن تؤدي الانتصارات الإقليمية لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى تشديد موقف برلين.
وتقود ألمانيا ائتلافا يضم ست دول توصف بأنها «مقتصدة»، وتطالب بخفض مقترح المفوضية الأوروبية بمئات المليارات من اليورو، مع توجيه الإنفاق نحو الأولويات الناشئة، وفي مقدمتها الدفاع والتنافسية الاقتصادية.
في المقابل، تقود رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني جبهة تضم 17 دولة من دول الجنوب والشرق الأوروبي، تُعرف باسم «أصدقاء التماسك»، وتضع حماية التمويل المخصص للمزارعين والمناطق الأشد فقرا على رأس أولوياتها.
كانت الرئاسة القبرصية السابقة لمجلس الاتحاد الأوروبي قد اقترحت، في يونيو الماضي، خفض الميزانية بمقدار 32.8 مليار يورو، مع تركيز التخفيضات الأكبر على الإنفاق المخصص للتنافسية والدفاع، وهو ما أثار غضب الدول المتشددة في الإنفاق.
ويحاول المقترح الأيرلندي التوفيقي تقريب وجهات النظر بين المعسكرين، من خلال خفض بنسبة 8%، مقارنة بخفض نسبته 2% في المقترح القبرصي. ومع ذلك، أعربت بعض الدول المتشددة في الإنفاق بالفعل عن خيبة أملها إزاء المقترح.


