طفلة تفتح عينيها كل صباح في غزة، فلا تجد أما توقظها بحنان، ولا أبا يطمئن عليها، ولا عائلة تحيطها بالأمان، تستيقظ لتواجه يوما جديدا، وهي تحمل في قلبها فقدا أكبر من عمرها، وفي جسدها آثارا تذكرها بما خسرته.
هذه هي حكاية ملك، الطفلة التي فقدت عائلتها، وفقدت معها جزءا من جسدها، لتجد نفسها أمام حياة مختلفة تماما عن تلك التي كان ينبغي لطفلة في عمرها أن تعيشها، ولم تعد خطواتها الصغيرة قادرة على حملها كما كانت، فأصبحت تعتمد على كرسيها وعكازيها في التنقل، وتحاول أن تتكيف مع تفاصيل يومية أصبحت أكثر صعوبة، وبينما يمضي الأطفال عادة خلف أحلامهم الصغيرة، تبحث ملك عن أبسط الأشياء التي تمنحها شعورا بالأمان.
في عالم فقدت فيه أقرب الناس إليها، لم يعد لديها حضن أم تلجأ إليه عندما تخاف، ولا يد أب تمسك بها عندما تتعثر، أصبحت مضطرة إلى مواجهة تفاصيل الحياة وحدها، وهي لا تزال طفلة تحتاج إلى من يحميها ويمنحها الطمأنينة.
ورغم كل ما فقدته، لا تبدو ملك مطالبة بالكثير، هي لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن حياة مثالية، كل ما تحتاج إليه هو يد تمتد إليها، وشخص يشعر بها، ومن يمنحها قليلا من الأمان الذي حُرمت منه.
خلف كرسيها وعكازيها، تختبئ طفلة لا تزال بحاجة إلى أن تعيش طفولتها، إلى من يسمعها، ويحتوي خوفها، ويساعدها على استعادة شيء من الحياة التي سُلبت منها.
قصة ملك ليست فقط حكاية طفلة فقدت عائلتها وجزءا من جسدها، وإنما تذكير بأن الأطفال الذين يواجهون الفقد والإصابة يحتاجون إلى أكثر من العلاج والرعاية الجسدية، إنهم يحتاجون إلى الأمان، وإلى الدعم النفسي والإنساني، وشعور بأن هناك من يقف إلى جوارهم حين تضيق بهم الحياة.
تجلس ملك على كرسيها، وتستند إلى عكازيها، لكنها في الحقيقة تبحث عن شيء آخر لا تستطيع الأدوات أن تمنحها إياه، يد تمسك بيدها، وقلب يشعر بها، ومساحة صغيرة من الأمان تستطيع أن تبدأ منها حياتها من جديد.


