في جزء أول من حوار بعنوان “أسئلة حرجة” شهدته منصة نقاشية، طرح الإعلامي مجدي الجلاد سؤالًا محوريًا إلى السياسي حمدين صباحي حول تقويمه لتجربة جمال عبد الناصر، وما إذا كان من الممكن وصفه بأنه حاكم غير ديمقراطي أو مستبد في ظل ما شهدته تلك الفترة من حبس وقمع وتراجع التعددية السياسية.
قال الجلاد في افتتاح حديثه: “عبد الناصر ما كانش ديمقراطي وكان بيحبس وكان بيقمع وكان صوت واحد.. يعني ديكتاتور”. ورد صباحي بأن عبدالناصر “لم يكن ديمقراطيًا على الطريقة الغربية”، مضيفًا أن الناصريين أنفسهم يطالبون بالديمقراطية السياسية في الوقت الراهن. بحسب صباحي، فإن وصف عبد الناصر بأنه “ديكتاتور” يبقى توصيفًا مختزلاً للتجربة إذا نظرنا إليها من زاوية واحدة وتجاهلنا ما أنجزه لصالح الشعب.
حول وصف عبد الناصر بأنه مستبد، أوضح صباحي أن المفكر صلاح عيسى كان يصفه بـ”المستبد العادل”، في إطار نظرية ترى أن بعض المجتمعات قد تحتاج إلى حاكم كهذا. لافتًا إلى أن ذلك لا يعني اعتبار كل ما فعله صحيحًا، فهناك أخطاءٌ وقعت في عهد حكمه، ومنها الإصلاح الزراعي الذي يرى مؤيدوه أنه وزّع الأراضي من كبار المالكين على الفلاحين، بينما يرى منتقدوه أنه أدى إلى تفتيت الرقعة الزراعية.
وتابع صباحي أن تقييم الحكام يجب أن ينطلق من النظر إلى “الاختيارات الكبرى”، مشيرًا إلى أسئلة محورية: هل أنت مع التحرر الوطني أم لا؟ مع العدالة الاجتماعية وحقوق الفقراء أم لا؟ مع الديمقراطية أم لا؟ مع الوحدة العربية أم لا؟ مع تحرير فلسطين أم لا؟ هذا هو “الكلام الجد” في نظره.
أوضح صباحي أن الحاكم قد يختار طريقًا صحيحًا ولكنه يخطئ في تنفيذ الاختيارات، بينما قد تكون بعض اختيارات الحاكم خاطئة لكنها تحقق بعض الأمور الجيدة في المقابل. وأشار إلى أن الحكام ليسوا “صنف ملايكة” ولا “صنف شياطين”، وبينهم من اختاروا المصالح الكبرى لمصر وهويتها وأغلبيتها الفقيرة مع ارتكاب أخطاء، فيما اختار آخرون طرقًا مختلفة.
عند مناقشة مسألة الحكم الفردي، أعاد الجلاد طرح سؤال حول مدى اتخاذ عبد الناصر قراراته بشكل مستقل. في الرد، استشهد صباحي بتأميم قناة السويس، مؤكدًا أن الإعلان على الهواء لا يعني أن الإعداد جرى بشكل فردي، بل شارك في التحضير عد من المستشارين والخبراء، خصوصًا المتخصصين في القانون الدولي والإدارة البحرية.
ثم تطرق الحديث إلى مشروع السد العالي، فرفض صباحي تفسيره على أنه نتاج قرار فردي أو من دون دراسات، قائلاً إن هناك دراسات وخطط سبق تنفيذها، حول الرقعة الزراعية التي يمكن إضافتها لمصر، وفرص العمل المنتظرة، إلى جانب إنتاج الكهرباء ودفع الطاقة والتصنيع.
حول مشكلة عبد الناصر، قال صباحي إن النموذج الذي فرض حكمه شهد كثيرًا من الديمقراطية في الإدارة، لكنه لم يمتلك ديمقراطية سياسية، معتبرًا أن هذه “نقطة ضعفه”. وفي الوقت نفسه استطاع، وفق تعبيره، نقل مصر إلى دولة للفقراء والفلاحين والعمال ودفعها نحو التصنيع، مع قيادة حركة التحرر الوطني والإيمان بحق المواطنين في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي.
وتطرق صباحي إلى استمرار محبة عبدالناصر والجدل حوله حتى الآن، مشيرًا إلى أن الذين يهاجمون عبد الناصر لا يحاكومون الماضي خوفًا من أن يعود، وأن محمد نجيب لعب دورًا يجب احترامه والإشادة به حتى لو اعتبره البعض واجهة للثورة. وأشار إلى أن تفاصيل ما أدى إلى تنحيته تحتاج قراءة الروايات والمذكرات المرتبطة بتلك الفترة، مع التأكيد على أنه لا يفضل الإغراق في “الحواديت” والتركيز على القضايا الكبرى المرتبطة بتقييم التجربة.
ختامًا، أكّد صباحي في الحوار أنه لن يندفع إلى تفاصيل صغيرة لا تخدم النظر إلى الصورة الكبرى، وأنه يركز على الأسس والاختيارات الكبرى في تقويم مسيرة عبد الناصر، كما استمر الترقب لاجتماعات ونقاشات لاحقة في سياق الحوار المستقبلي.


