يسلط معرض فني جديد في لندن الضوء على تاريخ ممارسة الأطفال للتصوير الفوتوغرافي، متتبعا كيف تحولت الكاميرا خلال أكثر من قرن من أداة باهظة الثمن تقتصر على فئات محدودة إلى وسيلة متاحة على نطاق واسع للأطفال والشباب للتعبير عن أنفسهم واستكشاف هوياتهم وتوثيق العالم المحيط بهم.

وذكرت صحيفة “الجارديان” البريطانية، في تقرير لها، أن المعرض الذي يحمل عنوان “سناب هابي!” (Snap Happy!) يقام في معرض المصورين في لندن، بالتزامن مع صدور كتاب “ويبرسنابرز: كيف أصبح الأطفال مصورين” (Whippersnappers: How Children Became Photographers) للباحثة آنابيلا بولن، أستاذة الثقافة البصرية والمادية في جامعة برايتون، التي أجرت بحثا موسعا في تاريخ تصوير الأطفال.

ويفتتح المعرض في 14 أكتوبر الجاري ويستمر حتى 21 فبراير 2027، ويقدم من خلال الصور والمواد الأرشيفية نماذج من أعمال أجيال من المصورين الصغار، إلى جانب إعلانات وكتيبات ومجلات وألعاب ومواد تعليمية ساعدت في نشر التصوير بين الأطفال. ويركز المعرض على فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما ازداد الترويج لفكرة امتلاك كل أسرة كاميرا، وأصبح التصوير نشاطا ترفيهيا وتعليميا أكثر انتشارا.

وتعود جذور هذه الظاهرة إلى بدايات القرن العشرين، عندما بدأت التطورات التقنية في جعل الكاميرات أكثر قابلية للحمل وأسهل استخداما، بعد أن كان التصوير نشاطا مكلفا ومعقدا يرتبط في الغالب بالأثرياء. ومع انتشار المعدات الأبسط، بدأت الشركات في تسويق الكاميرات باعتبارها أدوات يمكن للأطفال استخدامها، وأصبح الحصول على أول كاميرا لدى بعض الأسر حدثا بارزا في حياة الطفل، على غرار الحصول على أول دراجة أو ساعة.

وتشير الباحثة بولن إلى أن المدارس لعبت دورا مهما في انتشار التصوير بين الأطفال، إذ ظهرت نواد للتصوير وبدأت المؤسسات التعليمية في توفير غرف تحميض ومعدات للتلاميذ. كما قدمت الكشافة في بريطانيا شارة خاصة بالتصوير منذ عام 1910، بينما بدأت نواد اجتماعية في شرق لندن في تنظيم دروس التصوير للأطفال خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

وتكشف المواد التي درستها بولن أن اهتمامات الأطفال خلف الكاميرا ظلت متقاربة على مدار عقود، إذ ركزوا بصورة خاصة على الأصدقاء وأفراد الأسرة والحيوانات الأليفة والأماكن القريبة منهم. وحتى عندما نظمت لهم رحلات بهدف تصوير الطبيعة والمناظر الريفية، كان كثير منهم يفضلون توجيه عدساتهم إلى أصدقائهم وأفراد أسرهم بدلا من المناظر الطبيعية.

وتقدم مشاريع التصوير المجتمعية التي ظهرت منذ ثلاثينيات القرن الماضي جانبا آخر من القصة، إذ جرى استخدام الكاميرات كوسيلة لإشراك الأطفال من الفئات الأقل حظا في أنشطة تعليمية واجتماعية، وأحيانا لتطوير مهارات يمكن أن تقود إلى العمل في مجال التصوير. وفي لندن خلال سبعينيات القرن الماضي، جمع مشروع “بلاكفرايرز للتصوير” أطفالا من خلفيات مختلفة ومتطوعين داخل غرفة تحميض، في محاولة لاستخدام التصوير كأداة للتعلم والتواصل.

كما شهدت تسعينيات القرن الماضي انتشار مشروعات سعت إلى توثيق الطريقة التي يرى بها الأطفال العالم، مستفيدة من انخفاض تكلفة الكاميرات ذات الاستخدام الواحد. وشاركت في هذه المبادرات مؤسسات فنية وصحفيون وعلماء اجتماع وجمعيات خيرية، إلا أن بولن ترى أن التصوير، رغم قدرته على منح الأطفال مساحة للتعبير، لا يستطيع وحده معالجة مشكلات عدم المساواة الاجتماعية.

ويرصد المعرض أيضا التحول في نظرة المجتمع إلى تصوير الأطفال. ففي بدايات القرن العشرين، كان التصوير يقدم للأطفال باعتباره هواية صحية ومنتجة وتشجع على قضاء الوقت في الهواء الطلق، بينما أصبح التعامل مع صور الأطفال أكثر حذرا في عصر الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، مع تزايد المخاوف المرتبطة بتصوير الذات ومشاركة الصور الشخصية عبر الإنترنت.

وترى بولن أن التصوير يمكن أن يمنح الأطفال وسيلة سهلة للتواصل والاستقلالية، ويسمح لهم باختبار الأذواق والهويات والتعبير عن مشاعرهم من خلال الصور بدلا من الكلمات، كما يساعدهم على تنظيم عالم معقد ومتغير في مشاهد ثابتة يمكنهم التحكم فيها.

وتشير الباحثة إلى أن التصوير الفوتوغرافي للأطفال لم يحظ تاريخيا بالتقدير النقدي نفسه الذي حصل عليه الرسم أو الموسيقى أو غيرهما من الفنون التي يمارسها الصغار، رغم وجود استثناءات بارزة، من بينها المصور الفرنسي جاك هنري لارتيج، الذي بدأ التقاط الصور خلال طفولته، قبل أن يحظى عمله بتقدير واسع في عالم التصوير.

ويكتسب الموضوع أهمية إضافية في الوقت الراهن مع انتشار الهواتف الذكية، التي جعلت الكاميرا متاحة للأطفال بصورة غير مسبوقة. ووفقا لما أوردته بولن، يمتلك 99% من الأطفال في سن 15 عاما هاتفا ذكيا، فيما يمتلك 25% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و4 سنوات هاتفا من هذا النوع، ما يعني أن أجيالا جديدة تنشأ وهي تتعامل مع التصوير منذ السنوات الأولى من حياتها.

تحمل آنابيلا بولن درجة الأستاذية في الثقافة البصرية والمادية بجامعة برايتون، وتركز أبحاثها على تاريخ التصوير الشعبي والصور اليومية والثقافة البصرية التي غالبا ما ظلت خارج نطاق الدراسات الفنية التقليدية. ويقدم كتابها الجديد “ويبرسنابرز” والمعرض المصاحب “سناب هابي!” تاريخا يمتد لنحو 120 عاما للتعليم البصري وثقافة الطفولة وانتشار التصوير بين الأجيال الشابة.