أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا يؤكد أن خريطة الصناعة العالمية تشهد تحولات سريعة في السنوات الأخيرة نتيجة التغيرات في أسواق الطاقة والضغوط المناخية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، حيث بدأت معايير جديدة تفرض نفسها مثل توافر الطاقة المتجددة منخفضة التكلفة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية.
تسعى الشركات إلى نقل أو توسيع أنشطتها الصناعية في الدول التي تمتلك وفرة في مصادر الطاقة المتجددة
برز مفهوم “Powershoring” أو إعادة توطين الصناعة وفقًا لمصادر الطاقة المتجددة كأحد الاتجاهات الصاعدة، حيث تسعى الشركات إلى نقل أو توسيع أنشطتها في الدول التي تمتلك وفرة في مصادر الطاقة المتجددة، مما يضمن خفض تكاليف الإنتاج والامتثال للمعايير البيئية المتزايدة.
توجهات عالمية في الوقت الراهن بإعادة توطين أو نقل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة
أصبح من التوجهات العالمية في الوقت الراهن إعادة توطين أو نقل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الحديد والصلب والأسمنت والأسمدة والكيماويات والألومنيوم إلى المناطق التي تتمتع بوفرة في مصادر الطاقة المتجددة، حيث لم يعد التركيز على نقل الطاقة إلى مواقع الإنتاج كما كان في الماضي، بل أصبح الاتجاه الحديث هو نقل الصناعات نفسها إلى أماكن توافر الطاقة النظيفة والرخيصة.
قطاع الصناعة أكبر مستهلك للطاقة على مستوى العالم
يُعَد قطاع الصناعة أكبر مستهلك للطاقة على مستوى العالم، حيث يستحوذ على نحو 40% من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة عالميًا، وقد شهد الطلب على الطاقة في القطاع الصناعي نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ أسهم بما يقرب من ثلثي الزيادة في الطلب العالمي على الطاقة منذ عام 2019، مما يعكس الدور المحوري الذي تلعبه الأنشطة الصناعية في تشكيل أنماط الطلب العالمي على الطاقة.
75% من استهلاك الطاقة في القطاع الصناعي
تهيمن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة على الجزء الأكبر من هذا الطلب، حيث تمثل نحو 75% من استهلاك الطاقة في القطاع الصناعي، وتعتمد هذه الصناعات بشكل كبير على عمليات إنتاج تتطلب درجات حرارة مرتفعة، مما يجعل الطاقة عنصرًا أساسيًا في تكاليف الإنتاج والقدرة التنافسية، وتستمر الصين في تسجيل أكبر طلب صناعي على الطاقة في العالم، حيث تستحوذ على نحو ثلثي الزيادة في الطلب العالمي على الطاقة في القطاع الصناعي منذ عام 2019.
العوامل الداعمة لتبني المجتمع الدولي سياسة «توطين الصناعة وفقًا لمصادر الطاقة Powershoring»
استعرض التحليل العوامل الداعمة لتبني المجتمع الدولي سياسة «توطين الصناعة وفقًا لمصادر الطاقة Powershoring»، ومن أبرزها:
– التوجه الدولي نحو خفض الانبعاثات الكربونية العالمية، حيث تشهد السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الجهود الدولية الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية للحد من تداعيات التغير المناخي.
تشير بيانات تقرير فجوة الانبعاثات العالمي لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن التعهدات المناخية الحالية للدول قد تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بنحو 2.3 إلى 2.5 درجة مئوية خلال هذا القرن، وهو ما يتجاوز الهدف الذي نصَّ عليه اتفاق باريس للمناخ.
يحتاج العالم إلى تقليص الانبعاثات بنحو 35% بحلول عام 2035
يتطلب تحقيق هذه الأهداف خفض الانبعاثات العالمية بشكل كبير، حيث يحتاج العالم إلى تقليص الانبعاثات بنحو 35% بحلول عام 2035 مقارنة بمستويات عام 2019 للحد من الاحترار عند درجتين مئويتين، بينما يتطلب تحقيق الهدف الأكثر طموحًا وهو 1.5 درجة مئوية خفض الانبعاثات بنحو 55% خلال الفترة نفسها.
– زيادة القدرات الإنتاجية للطاقة المتجددة عالميًا، حيث شهد العالم في عام 2024 زيادة غير مسبوقة في قدرات الطاقة المتجددة الإنتاجية، مع استمرار الزخم العالمي نحو زيادة حصة هذه المصادر في توليد الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
– انخفاض تكلفة الطاقة المتجددة، حيث شهدت تقنيات الطاقة المتجددة منذ عام 2010 انخفاضًا مذهلًا في التكاليف، بفضل تحسين التكنولوجيا، وتنافسية سلاسل التوريد، وتحقيق وفورات الحجم.
أوضح مركز المعلومات في ختام التحليل أن فكرة توطين الصناعات بالقرب من مصادر الطاقة ليست جديدة، حيث غالبًا ما تُقام صناعات كثيفة الاستهلاك للكهرباء بجوار السدود الكهرومائية للاستفادة من الكهرباء الرخيصة، ولكن برز هذا التوجه عالميًا في الآونة الأخيرة نتيجة للتغيرات المناخية، ومع التحول نحو الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، سيزداد هذا الاتجاه أهمية، مما يجعل مواقع مصادر الطاقة المتجددة عاملًا حاسمًا في تنافسية الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

