على مدار قرن كامل، شكلت جماعات الإسلام السياسي ظاهرة معقدة في المشهد السياسي، حيث تحولت إلى بنية أيديولوجية تشبه الأخطبوط، تتعدد أذرعه بينما يبقى الفكر واحدًا. منذ تأسيس جماعة الإخوان على يد حسن البنا، مرورًا بالتنظيمات السرية وأفكار العنف، وصولًا إلى تنظيمات أكثر تطرفًا مثل القاعدة وداعش، يبدو أن هذا التطور هو نتيجة طبيعية لمسار واحد.

رغم اختلاف الأزمنة والسياقات السياسية، لم تعد الذاكرة الشعبية في العديد من الدول تفصل بين هذه التنظيمات، حيث أثبتت التجارب أن الشعارات قد تتغير، لكن النتائج تبقى واحدة، وهي صدام مع الدولة وانقسام مجتمعي وعنف مستمر حتى بعد سقوط القيادات.

برزت أسماء مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبوبكر البغدادي كرموز للعنف، لكن خبراء الحركات الإسلامية يؤكدون أن خطورة الظاهرة تكمن في المرجعية الفكرية التي تساهم في إنتاج أجيال جديدة من المتطرفين.

يقول طارق البشبيشي، الخبير في شئون الجماعات الإرهابية، إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في سقوط التنظيمات، بل في استمرار البنية الفكرية التي تسمح بإعادة تدوير الأفكار. ويضيف أن الجماعات التي خرجت من عباءة الإسلام السياسي تعتمد على مفاهيم مثل الطاعة الصارمة واحتكار التفسير الديني، مما يسهل الانتقال من العمل السياسي إلى العنف عند لحظة الصدام.

بحسب البشبيشي، يفسر هذا التوصيف كيف امتد المشهد من التنظيم الخاص إلى تنظيمات أكثر دموية على المستوى الدولي، حيث ظلت الفكرة الجوهرية قائمة على مركزية التنظيم وتقديم الولاء التنظيمي على مفهوم الدولة الوطنية.

عمرو فاروق، الباحث في شئون الجماعات الأصولية، يشير إلى أن أخطر ما خلفته هذه التنظيمات هو الإرث النفسي الذي بقى في وعي المجتمعات بعد سنوات من العنف. ويؤكد أن التنظيمات المتشددة تعتمد على آلية ثابتة تقوم على تدوير الفكرة بين الأجيال، مما يجعلها تنتقل من جماعة سياسية إلى تنظيم مسلح ثم إلى شبكة إرهابية عابرة للحدود.

يضيف فاروق أن ذاكرة الشعوب العربية أصبحت أكثر صلابة في الحكم على هذه التجارب، حيث ارتبطت بمشاهد الدم والانهيار المؤسسي. ويشير إلى أن هذا التراكم في الوعي الجمعي يفسر تراجع قدرة هذه الجماعات على استعادة الشعبية.

الانتقال من حسن البنا كمنظر لفكرة التنظيم إلى رموز مثل بن لادن والظواهري والبغدادي لم يكن قفزة منفصلة، بل كان مسارًا تراكمياً استفاد من الأزمات السياسية وفشل بعض الدول.

يستنتج فاروق أن الأخطبوط التنظيمي لم يعد قادرًا على التحرك بحرية كما كان في السابق، ليس فقط بسبب المواجهات الأمنية، بل بسبب تراجع البيئة الاجتماعية الحاضنة. ويؤكد أن السنوات الأخيرة أثبتت أن سقوط القيادات لا يعني نهاية الفكرة، لكن بقاء الفكرة لا يعني قدرتها على استعادة الزخم.

الوعي العام أصبح أكثر إدراكًا لآليات التلاعب السياسي بالدين، وأصبح هناك رفض أكبر للخلط بين العمل الدعوي والمشروع التنظيمي. المواجهة الحقيقية لم تعد فقط في ملاحقة التنظيمات، بل في تفكيك البنية الفكرية التي سمحت بتمدد أذرع هذا الأخطبوط.

الرسالة الأوضح التي كرستها التجربة هي أن الشعوب التي دفعت ثمن الفوضى والانقسام لم تعد مستعدة لتكرار الأخطاء، فالتاريخ الذي بدأ بحسن البنا ومر بمحطات بن لادن والظواهري والبغدادي لم يعد مجرد سردية تنظيمية، بل تحول إلى ذاكرة جماعية ترفض إعادة إنتاج العنف مهما تغيرت الأسماء.