رغم الشهرة العالمية التي تتمتع بها محافظة البحر الأحمر كواحدة من أهم الوجهات السياحية الشاطئية، فإن الصحراء الممتدة خلف سواحلها تخفي كنوزًا أثرية وتاريخية نادرة، تروي فصولًا مهمة من الحضارات التي تعاقبت على المنطقة على مدار آلاف السنين، بداية من الحضارة الفرعونية، مرورًا بالعصر الروماني، وصولًا إلى الحقبة العثمانية. ورغم القيمة التاريخية الكبيرة لهذه المواقع، فإن بعضها لا يزال يعاني ضعف الترويج وقلة الزيارات، ليظل بعيدًا عن خريطة السياحة الثقافية، رغم قدرته على جذب السائحين وعشاق التاريخ والمغامرة.
قلعة القصير.. تاريخ من العصر العثماني
في مدينة القصير، تقف القلعة العثمانية الشهيرة باسم «الطابية»، شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة، حيث شُيدت عام 1799 ميلاديًا على يد الدولة العثمانية، بهدف حماية قوافل الحجاج المتجهة إلى الحجاز من اللصوص وقطاع الطرق، خاصة أن القصير كانت تمثل محطة مهمة على طرق التجارة والحج.
وشُيدت القلعة فوق هضبة مرتفعة من الحجر الجيري، تطل على المدينة والبحر، وهو موقع منحها أهمية عسكرية واستراتيجية كبيرة، حيث كانت تتيح مراقبة المنطقة والسيطرة على الطرق المحيطة بها، وقد وصف موقعها أحد رجال الحملة الفرنسية، المسيو دي بوا إيميه، في إشارة إلى أهميتها وموقعها المميز.
ورغم القيمة المعمارية والتاريخية والعسكرية للقلعة، فإن أعداد السائحين الذين يزورونها لا تزال محدودة، وهو ما يفتح الباب أمام ضرورة وضعها ضمن برامج الزيارات السياحية والترويج لها بشكل أكبر.
مونس كلوديانوس.. مدينة رومانية وسط الجبال
وعلى بُعد نحو 45 كيلومترًا جنوب غرب مدينة سفاجا، تقع مدينة مونس كلوديانوس الأثرية، التي تعد واحدة من أهم المواقع الرومانية في الصحراء الشرقية، وكانت مركزًا مهمًا لاستخراج نوع مميز من الحجر الملكي المستخدم في تشييد عدد من المنشآت والمعابد الرومانية الكبرى.
وتضم المنطقة بقايا مساكن العمال، وحمامات عامة، وصوامع لتخزين الغلال، وإسطبلات كانت تستوعب أعدادًا كبيرة من الثيران المستخدمة في عمليات النقل، فضلًا عن معبد لم يكتمل بناؤه، بما يكشف عن طبيعة الحياة اليومية للعاملين في الموقع خلال تلك الحقبة.
من جانبه، قال محمد أبو الوفا، مدير الوعي الأثري، إن مونس كلوديانوس تقدم صورة واضحة عن براعة التنظيم الروماني ودقة العمارة القديمة، مؤكدًا أن الموقع يمثل كنزًا أثريًا نادرًا في قلب الصحراء، لكنه لا يحظى حتى الآن بالاهتمام والترويج السياحي الذي يتناسب مع قيمته التاريخية.
وادي سكيت يجمع الحضارتين الفرعونية والرومانية
وفي جنوب المحافظة، وتحديدًا في وادي سكيت غرب منطقة وادي الجمال بمرسى علم، تتداخل آثار الحضارتين الفرعونية والرومانية في مشهد فريد يعكس أهمية المنطقة التعدينية منذ العصور القديمة.
واشتهرت المنطقة باستخراج حجر الزمرد النفيس، كما شيد الفراعنة معبدًا للإله حورس، قبل أن تشهد المنطقة مراحل جديدة من النشاط خلال العصور اللاحقة، حيث شيد الرومان معبدًا للإله سرابيس، منحوتًا داخل الجبل من صخور السربنتينيت والتلك، ليكون مكانًا للعبادة بالنسبة للعمال القائمين على عمليات التعدين.
ويقول وائل عيسى، منظم رحلات السفاري الجبلي، إن المعبد لا يزال قائمًا رغم مرور قرون طويلة، فيما كشفت بعثة هولندية عام 2003 عن تفاصيل مهمة تتعلق بعمليات استخراج الزمرد وطبيعة النشاط الذي شهدته المنطقة قديمًا.
كنوز تنتظر الترويج
ومن القصير إلى سفاجا ثم مرسى علم، تمتد خريطة من المواقع الأثرية التي تمثل سجلًا مفتوحًا لعصور مختلفة من تاريخ البحر الأحمر، بداية من الفراعنة، مرورًا بالرومان، وصولًا إلى العثمانيين. وتمتلك هذه المواقع مقومات كبيرة لإضافة نمط جديد إلى المنتج السياحي بالمحافظة، يجمع بين السياحة الشاطئية والسياحة الثقافية وسياحة السفاري والمغامرات.
ويطالب محمد أبو الوفا، مدير الوعي الأثري بالبحر الأحمر، بضرورة الترويج الحقيقي لهذه المناطق ووضعها على خريطة المزارات السياحية، حتى يتمكن السائحون من التعرف على تاريخ البحر الأحمر ومشاهدة آثاره القديمة، بالتوازي مع ما تتمتع به المحافظة من شواطئ ومنتجعات سياحية.
وأضاف مدير الوعي الأثري أن المدينة الرومانية ومعبد سكيت يستقبلان بالفعل بعض محبي السفاري الجبلي، ضمن الرحلات التي يتم تنظيمها للسائحين المقيمين في فنادق سفاجا ومرسى علم، مؤكدًا أن زيادة الترويج لهذه المواقع يمكن أن تسهم في رفع معدلات الزيارة والتعريف بتاريخ المنطقة.
وتبقى آثار البحر الأحمر، من قلعة القصير العثمانية إلى مونس كلوديانوس الرومانية ووادي سكيت، شاهدة على ثراء تاريخي كبير لا يقل أهمية عن جمال شواطئ المحافظة، وتنتظر هذه الكنوز مزيدًا من الاهتمام والترميم والترويج، حتى تحصل على مكانتها ضمن خريطة السياحة الثقافية في مصر والعالم.
أحد المرشدين السياحيين أمام معبد سكيت.
الرحلات السياحية بمعبد سكيت.
بقايا آثار المدينة الرومانية .
تعتبر محجر الرومانيين قديما .
قلعة القصير العثمانية الطابية.
قلعة القصير العثمانية.
كانت تسمى مدينة القصير القوافل الجارية اليها.
معبد سكيت بمرسى علم .
منها كانت تستخرج الأعمدة الملكية.
