سجلت أسعار النحاس العالمية قفزة استثنائية خلال عام كامل، حيث ارتفع المعدن الأحمر بنسبة ناهزت 50%، لينتقل من مستويات تقارب 10 آلاف دولار للطن في سبتمبر 2025 إلى مشارف 15 ألف دولار للطن في سبتمبر 2026. ويمثل هذا الصعود المتسارع إحدى أبرز الطفرات السعرية التي شهدتها أسواق المعادن الصناعية مؤخراً، مدفوعة بتلاقي عوامل شح المعروض والطلب الهيكلي المتزايد.
وتفصيلاً، ارتفع سعر النحاس لآجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن من نحو 10,070 دولاراً للطن في منتصف سبتمبر 2025، ليتجاوز عتبة 14,700 دولار للطن في سبتمبر 2026، مسجلاً خلال تعاملات الأسبوع الجاري ذروة قياسية غير مسبوقة عند 14,875 دولاراً للطن، ما يعكس نمواً سنوياً قوياً يقارب 47%.
وتأتي هذه المكاسب القياسية في وقت تواجه فيه صناعة التعدين العالمية تحديات تشغيلية متزايدة وتراجعاً في إنتاج المناجم الكبرى، لا سيما في تشيلي وإندونيسيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تراجع المعروض العالمي بنحو 1.1% في النصف الأول من عام 2026. وتتضاعف حساسية السوق تجاه هذه البيانات نظراً لأن تطوير مشاريع تعدين جديدة يتطلب استثمارات ضخمة ومدداً زمنية طويلة، مما يبطئ مرونة الإمدادات في مواجهة الطلب المتسارع.
ولم تكن التوترات التجارية بمعزل عن المشهد؛ إذ ساهمت التوقعات بفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية على واردات النحاس المكرر في إرباك سلاسل التوريد. ودفع هذا الترقب الشركات والمتعاملين إلى تكثيف الشحنات نحو السوق الأمريكية لتأمين الاحتياجات قبل ارتفاع التكاليف، مما أدى إلى تضخم المخزونات في الولايات المتحدة على حساب تراجعها في الأسواق العالمية الأخرى، واشتعال الضغوط الصعودية على الأسعار.
وإلى جانب قيود المعروض، يقود الطلب الهيكلي الجديد قاطرة الارتفاع؛ حيث يشهد النحاس طلباً غير مسبوق لتغذية مشروعات الطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، وتوسعات شبكات الكهرباء. ويبرز قطاع الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي جديد، إذ تتطلب الطفرة الحالية في مراكز البيانات بنية تحتية كهربائية ضخمة وشبكات نقل متطورة تعتمد بشكل أساسي على النحاس لكفاءته العالية في التوصيل الكهربائي.
وفيما يخص التوقعات المستقبلية، رجح بنك "جي بي مورغان" وصول أسعار المعدن إلى 14,800 دولار للطن بحلول الربع الأخير من عام 2026، مدعوماً بضيق المعروض والطلب القوي. في المقابل، تتوقع مجموعة دراسة النحاس الدولية نمو إنتاج المناجم بنسبة 1.6% في 2026 و2.3% في 2027، مما قد يفرز فائضاً في النحاس المكرر. وبناءً على ذلك، سيظل اتجاه السوق رهناً بالتوازن بين وتيرة الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة والذكاء الاصطناعي، وقدرة المعروض الجديد على مواكبة هذا الطلب المتنامي.