تجنيد الإخوان يبدأ من المدارس وينتهي في العمليات التخريبية
حرصت جماعة الإخوان الإرهابية منذ تأسيسها عام 1928 على استقطاب الشباب وتوجيههم فكرياً وسلوكياً بما يخدم رؤيتها التنظيمية، حيث اعتمدت على أساليب متدرجة تهدف إلى إعادة تشكيل قناعات الأفراد بما يتماشى مع أفكارها، في إطار سعيها لتوسيع قاعدة العضوية وتعميق وجودها داخل المجتمع، مما يمهد للوصول إلى مواقع التأثير والسيطرة على مفاصل القرار، واستخدمت أدوات متعددة للتغلغل الاجتماعي والتنظيمي، قبل أن تبدأ ملامحها في الانكشاف تدريجياً أمام الرأي العام مع مرور الزمن.
في هذا السياق، قال ماهر فرغلي، الباحث في شئون الجماعات الإسلامية، إن أبرز أدوات جماعة الإخوان التاريخية تتمثل في استهداف فئة الطلاب والشباب داخل الجامعات، حيث يتم جذبهم تدريجياً عبر أنشطة طلابية أو سكن طلابي تديره أسر ذات انتماء تنظيمي، مما يؤدي إلى دمجهم داخل البنية التنظيمية دون إدراك كامل في المراحل الأولى.
وأكد فرغلي أن العامل الديني يُستغل بشكل واسع في هذه العملية، خاصة داخل بعض البيئات الجامعية مثل جامعة الأزهر، حيث يتم توظيف الخطاب الديني كمدخل للتأثير والاستقطاب، رغم الطبيعة العلمية الوسطية للمؤسسة، مشيراً إلى أن هذا الاستخدام للدين يأتي في إطار استراتيجية تجنيد تدريجية تعتمد على التدرج النفسي والفكري، موضحاً أن الجماعة، رغم تراجع نفوذها السياسي بعد أحداث 30 يونيو، لا تزال متمسكة بخيارات العنف والعمل المسلح باعتبارها جزءاً من بنيتها الفكرية لدى بعض أجنحتها، بالتوازي مع تحركات إعلامية عبر منصات رقمية تحاول إعادة تشكيل الوعي وتقديم سرديات مضادة، من خلال التشكيك في الدولة وبث رسائل مضللة، مع الاستفادة من دعم شبكات خارجية.
من جانبه، قال سامح عيد، الخبير في شئون الجماعات الإسلامية، إن جماعة الإخوان تعتمد بشكل أساسي على استقطاب الشباب في مراحل عمرية مبكرة، من خلال مخاطبة العاطفة والطموح الديني لديهم، عبر خطاب عام يتضمن عبارات دينية وآيات قرآنية وأحاديث، إلى جانب أنشطة مثل قيام الليل وغيرها من المظاهر التعبدية التي تُستخدم كمدخل للتأثير النفسي والفكري، موضحاً أن الجماعة تعمل على تقديم رموزها وأفكارها في صورة مثالية، من خلال توزيع كتب ومؤلفات تظهر مؤسسها حسن البنا والحركة بشكل يحمل طابعاً قدسياً في نظر الأتباع الجدد، ما يخلق حالة من الانبهار والانجذاب في بداية الانضمام، وغالباً ما يصطدم هذا الانبهار لاحقاً بوقائع عنف واغتيالات نُسبت إلى عناصر داخل التنظيم، وعند طرح التساؤلات حولها يتم تبريرها بأنها تجاوزات فردية لا تعبر عن نهج الجماعة.
وأشار عيد إلى أن الجماعة تعتمد على خطاب ديني انتقائي يتم توظيفه لاستقطاب الشباب وإقناعهم بأفكار محددة تمهيداً لدمجهم في أنشطة تنظيمية أكثر تعقيداً، معتبراً أن ذلك يشكل تهديداً مباشراً للوعي المجتمعي، خاصة مع تطور أدوات التنظيم وتحوله إلى كيان يمكن توظيفه في تنفيذ أجندات تخريبية.
وأوضح عيد أن الضربات الأمنية المتتالية أسهمت في إضعاف قدرات هذه الشبكات والحد من قدرتها على التجنيد، مؤكداً أن المواجهة الفكرية لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية، من خلال نشر الوعي وتصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة، بما يسهم في حماية الشباب من الاستقطاب، وأكد أن كشف هذه الممارسات يمثل خطوة أساسية في تجفيف منابع التطرف وإعادة بناء وعي مجتمعي قائم على الفهم الصحيح للدين بعيداً عن التوظيف السياسي أو الاستغلال الأيديولوجي.
بدوره، أوضح منير أديب، الباحث في شئون الجماعات الإسلامية، الطرق والأساليب التي تتبعها جماعة الإخوان لتجنيد أعضائها، مؤكداً أن عملية الاستقطاب تبدأ من خلال ما يسمى بـ”خريطة التحرك”، التي يقوم فيها كل عضو في الجماعة باستهداف أفراد من محيطه الاجتماعي، سواء في أسرته أو بين أصدقائه أو زملائه في الدراسة.
وأشار أديب إلى أن سياسة التجنيد لدى الإخوان تعتمد بشكل خاص على جذب الشباب من طلاب المدارس الثانوية والجامعات، إذ تركز الجماعة على استقطاب هذه الفئة المبكرة من العمر لتكوين قاعدة شبابية قوية، ولسهولة تشكيل الوعي والأفكار لصالح معتقدات الجماعة. وتابع أن الأعضاء الجدد يُجندون من خلال مجموعة من الأنشطة الدعوية والاجتماعية التي تنظمها الجماعة، ومنها مشروع التربية الإسلامية، الذي يُنفذ في المساجد والمدارس الأهلية تحت شعار مسابقات لحفظ القرآن الكريم، مؤكداً أن هذه الأنشطة تتحول تدريجياً مع مرور الوقت إلى وسيلة لتجنيد الأفراد والسيطرة عليهم.
وأوضح أديب أنه إضافة إلى ذلك، تنظم الجماعة العديد من الفعاليات الاجتماعية مثل الرحلات والمسابقات، التي تُعد فرصة لتكريم المتفوقين والمتميزين من طلاب المدارس، مؤكداً أن هذه الفعاليات يتم التفاعل فيها مع الشباب، حيث يبدأ مشرفو الجماعة بالتقرب إليهم وتنظيم لقاءات أسبوعية للتواصل معهم وشرح مبادئ الجماعة وأفكارها، ومن خلال هذه اللقاءات، يتم تحديد الأفراد الذين يميلون للتفاعل مع أفكار الجماعة، ليتم ضمهم بشكل رسمي. وأكد أديب أن هذه العمليات تتضمن أيضاً آليات للترقية داخل التنظيم، حيث يمنح الأعضاء الذين ينجحون في جذب أفراد جدد مكانة أعلى في هيكل الجماعة، مما يضمن استمرارية نفوذها وانتشار أفكارها عبر استقطاب الأفراد الجدد وتكوين شبكات دعوية قوية.


التعليقات