تبدأ مسيرة الفنانة وردة الجزائرية في باريس عام 1939، حيث انطلقت في عالم الغناء والمسرح بموهبة استثنائية حازت على إعجاب أجيال متعددة. عاصرت العديد من كبار الموسيقيين والملحنين، ولقبها البعض بـ«خليفة أم كلثوم»، لكن رحلتها لم تكن خالية من التحديات، إذ واجهت صعوبات عديدة جعلت مجدها يتأرجح بين النجاح والصراع.

تكونت لدى الجمهور انطباعات مغلوطة عن وردة عبر السنوات، رسختها بعض وسائل الإعلام التي لم تعكس حقيقتها. لم تكن شخصية صارمة كما أشيع، بل كانت تتمتع بالبساطة والعفوية في تعاملاتها اليومية مع الأهل والأصدقاء.

يأتي كتاب «حكاية وردة.. سيرة صوت وقلب» ليعيد تقديم ملامحها الإنسانية والفنية بعيداً عن التجميل، كاشفاً عن وجه آخر لوردة يتميز بالعمق والصدق.

«الحكيم»: «خليفة أم كلثوم» ظُلمت في الوعي العام.. وحالة فنية فريدة وليست صنيعة أحد

يهدف كتاب «حكاية وردة» إلى إنصافها وتصحيح الصورة الذهنية عنها، كما أوضح الكاتب الصحفي أيمن الحكيم، مؤلف الكتاب، مشيراً إلى أن اختياره لتناول شخصية وردة يأتي امتداداً لمشروعه مع سيرة الموسيقار بليغ حمدي. ورغم أن علاقتها به كانت نقطة تحول، إلا أنها لا تعكس تجربتها الكاملة.

تاريخ وردة يمتد في باريس ولبنان، ولا يمكن اختزال رحلتها الفنية في مصر فقط، فهذا يفقدها جزءاً كبيراً من قيمتها. الكتاب يمثل فرصة لإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بعيداً عن الصورة النمطية، فمكانتها تستحق التوثيق.

كانت وردة شخصية تلقائية وصريحة، مما تسبب لها في خلافات مع عدد من النجوم في بداية مشوارها، إضافة إلى مواجهات مع الصحافة. ومن أبرزها مع الكاتب أنيس منصور الذي انتقد صوتها بشدة. وقد ساهم محمد عبدالوهاب في تعلمها الدبلوماسية والتعامل مع الإعلام.

اعتمد الحكيم في كتابه على توثيق دقيق بعيداً عن الشائعات، موضحاً أن الكثير مما يُتداول عن وردة غير صحيح. قصة «نسيان بليغ حمدي يوم زفافه» ليست دقيقة، إذ كان هناك خلاف حول طبيعة الفرح، مما أدى إلى سفره إلى لبنان. كما أن الشائعات التي لاحقتها دفعتها للاعتزال نحو تسع سنوات.

تعرضت وردة لقدر كبير من الظلم بسبب الأزمات والشائعات السياسية. بعض هذه الشائعات ارتبطت بعلاقاتها مع مسؤولين بارزين، رغم أن علاقاتها كانت تقتصر على حفلات وطنية فقط. والدها كان متحفظاً تجاه ما أثير حولها، مما دفعه لأخذها إلى الجزائر.

تطرق الحكيم إلى واقعة سفرها مع بليغ حمدي إلى ليبيا، حيث اتهمت بغناء أعمال ذات طابع سياسي. لكنها كانت تغني في إطار احتفال رسمي، وعند عودتها إلى مصر، أثارت بعض التسجيلات ردود فعل قوية، مما أدى إلى منعها من الغناء لفترة.

يكشف الكاتب عن جوانب إنسانية غير معروفة عن وردة، إذ كانت تحب تقديم أعمالها كهدية لأحبائها، وكانت طباخة ماهرة. كما كانت تهتم بشؤون بيتها وتقوم بالتسوق ورعاية أبنائها بشكل طبيعي بعيداً عن صورة النجمة.

نقل الحكيم عن الإذاعي وجدي الحكيم أن وردة كانت تتمنى أن تموت في مصر وتُدفن في الجزائر، وهو ما تحقق، مما يعكس عمق علاقتها بالبلدين. وردة ليست مجرد فنانة، بل هي حالة إنسانية وفنية لا تتكرر.