سلط مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، في تقرير حديث له، الضوء على مفهوم "اقتصاد البيانات" باعتباره أحد أبرز التحولات المتسارعة في العصر الرقمي. وأكد التقرير أن البيانات لم تعد مجرد أداة للتخزين أو التوثيق، بل تحولت إلى أصل استراتيجي ومورد اقتصادي متجدد يسهم بشكل مباشر في تحسين كفاءة الإنتاج، ودعم اتخاذ القرارات التنموية والاستثمارية على المستويين المؤسسي والحكومي.
وأوضح التقرير أن البيانات تمتلك خصائص اقتصادية استثنائية تميزها عن الموارد التقليدية؛ إذ يمكن استخدامها من قبل أطراف متعددة بالتوازي دون فنائها أو استهلاكها، وتتضاعف قيمتها طردياً مع عمليات التحليل والربط بمصادر أخرى. ومع ذلك، كشف التقرير عن فجوة واضحة بين جمع البيانات وتحقيق العائد الاقتصادي الفعلي منها؛ حيث أظهرت دراسة استشهد بها التقرير أن 16% فقط من التنفيذيين نجحوا في استخلاص قيمة ملموسة من البيانات رغم أن 81% من الشركات طبقت تقنيات تحليل البيانات، مما يؤكد أن الاستثمار التكنولوجي وحده لا يكفي دون تطوير القدرات البشرية والمؤسسية وتحديد أهداف واضحة لقياس العائد الفعلي.
واستعرض التقرير التطبيقات الواسعة لاقتصاد البيانات في قطاعات حيوية متعددة؛ ففي التجارة الإلكترونية تسهم البيانات في فهم سلوك المستهلكين وإدارة سلاسل التوريد، وفي القطاع المالي تعزز الشمول المالي وتيسر الوصول للتمويل، بينما ترفع كفاءة التشخيص وإدارة الموارد في الرعاية الصحية، وتدعم أساليب التعلم المخصصة في التعليم، وتزيد من تنافسية القطاع الصناعي عبر التنبؤ باحتياجات الصيانة وتقليل الفاقد. وأشار التقرير إلى أن الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي ضاعفت من القدرة على معالجة البيانات غير المهيكلة كالنصوص والصور، مع التأكيد على أهمية حوكمة هذه التقنيات لضمان دقتها والحد من التحيزات الخوارزمية.
وحدد التقرير مسارين رئيسيين لتحقيق القيمة الاقتصادية؛ الأول غير مباشر عبر رفع كفاءة الأداء وخفض التكاليف التشغيلية، والثاني مباشر من خلال تطوير وبيع منتجات وخدمات قائمة على البيانات والتحليلات المتخصصة. ورغم هذه الآفاق الواعدة، يواجه هذا القطاع تحديات تنظيمية وأمنية تتعلق بالأمن السيبراني وحماية الخصوصية الفردية، مما يجعل بناء بيئة رقمية موثوقة شرطاً أساسياً لتعظيم المنافع الاقتصادية والاجتماعية للبيانات.
وبالنسبة للدولة المصرية، يمثل اقتصاد البيانات فرصة ذهبية لرفع إنتاجية القطاعات الاقتصادية، وتحسين جودة الخدمات العامة، وتطوير خدمات رقمية قابلة للتصدير تعزز الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي. واختتم المركز تقريره بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية للبيانات لا تكمن في حجمها بل في كيفية إدارتها وتحليلها لتحويلها إلى قرارات مبتكرة، مشدداً على أن تعظيم العوائد يتطلب تكاملاً وثيقاً بين البنية التحتية الرقمية المتطورة، والأطر التشريعية الآمنة، وبناء الكوادر البشرية المؤهلة.